يهود سوريا الجزء الثاني قصة حاخام يهودي من اصل سوري

 قصة حاخام يهودي من أصل سوري

ما هي الهوية؟ وما هو الانتماء؟ هل هي محددة بالمولد أو المنشأ أو الدين أو اللغة أو الثقافة؟ أم هي متغيرة بالزمان والمكان والظروف والتجارب؟ هل يمكن للإنسان أن يحمل هويات وانتماءات متعددة؟

هذه الأسئلة تطرح نفسها على كل إنسان في هذا العالم المتنوع والمتغير، وخاصة على أولئك الذين عاشوا أو انتقلوا بين بلدان وثقافات مختلفة. ومن بين هؤلاء، تبرز شخصية مميزة ومثيرة للاهتمام، هو حاخام يهودي من أصل سوري، يدعى اوري لاطي، ويعيش في أمريكا، ويعلم الدين والعربية على الإنترنت، ويتفاعل مع الناس من مختلف الديانات والثقافات.

الطفولة والمغادرة

ولد الحاخام اوري لاطي في دمشق، سوريا، في عام 1981، في عائلة يهودية سورية. كانت اليهودية السورية مجتمعا قديما ومتماسكا، يعود تاريخه إلى زمن الملك داوود، ويتميز بحبه واحترامه للغة العربية والتوراة.

لكن في عام 1985، عندما كان الحاخام اوري في الثالثة من عمره، تغيرت الظروف، واضطر والده  إلى ترك سوريا والانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بحثا عن حياة أفضل وأكثر أمنا. وبذلك، ترك الحاخام اوري وراءه بلده ومجتمعه ولغته وثقافته، وانطلق إلى بلد جديد ومجتمع جديد ولغة جديدة وثقافة جديدة.

مشاعر الحنين والأسى والحيرة التي تملأ قلب الحاخام اوري، تظهر كيف تأثر بمغادرة سوريا والانتقال إلى أمريكا في طفولته، وكيف أثر ذلك على هويته وانتمائه. فهو يشعر بأنه ترك جزءا من نفسه في سوريا، وأنه فقد اتصاله بمجتمعه وتاريخه ولغته ودينه. وهو يتساءل عن السبب وراء التغييرات والمصائب التي حلت بسوريا، وعن مصير الناس والأماكن والكتب التي تركها هناك.

الشباب والتعليم

وصل الحاخام اوري لاطي إلى أمريكا في عام 1985، واستقر في نيويورك، حيث كانت توجد جالية يهودية سورية كبيرة ونشطة. تلقى الحاخام أريل تعليمه في مدرسة يهودية سورية. هناك، تعلم اللغة العربية والتوراة والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والعلوم وغيرها من المواد. كان متفوقا في دراسته، ومحبوبا من قبل معلميه وزملائه. كان يحافظ على اتصاله بسوريا، ويزورها بين الحين والآخر مع عائلته. كان يشعر بأنه جزء من مجتمع يهودي سوري قوي ومتماسك، يحافظ على هويته وانتمائه، رغم البعد والتغيير.

لكن بعد أن تخرج من المدرسة، قرر الحاخام اوري أن يسافر إلى إسرائيل، ليكمل دراسته الجامعية هناك. كان يريد أن يتعمق في علم الدين واللغة العبرية. في إسرائيل، التحق الحاخام اوري لاطي بجامعة بار إيلان، ودرس العلوم الدينية واللغوية والاجتماعية. كان مشاركا في الحياة الجامعية والوطنية. كان يتفاعل مع الناس من مختلف الخلفيات والآراء والاتجاهات، ويتعلم منهم ويناقشهم بأدب واحترام. كان يزور الأماكن المقدسة والتاريخية والطبيعية في إسرائيل، ويستمتع بجمالها وروحانيتها. كان يشعر بأنه جزء من تاريخ وحاضر ومستقبل إسرائيل، وأنه يحقق حلم العودة إلى الأرض الموعودة.

الرشد والتدريس

بعد أن تخرج من الجامعة، قرر الحاخام اوري لاطي أن يصبح حاخاما ومدرسا للدين والعربية. كان يريد أن ينشر علمه وحبه للتوراة واللغة العربية، وأن يساهم في تثقيف وتوجيه وتربية الجيل الجديد من اليهود. وهكذا، بدأ الحاخام أريل في تدريس الدين والعربية في مدارس ومعاهد ومراكز يهودية في إسرائيل وأمريكا وغيرها من البلدان. كان محبوبا ومحترما من قبل طلابه وزملائه ومديريه. كان يستخدم أساليب تدريس مبتكرة وممتعة، ويستعين بالتكنولوجيا والإنترنت لتسهيل وتنويع التعليم.

الختام

تفتح قصة الحاخام اوري لاطي نوافذًا على عالم متنوع وغني بالتحولات والتجارب. يكشف الحاخام من خلال رحلته عن الهوية والانتماء عن جوانب معقدة، فهو يعيش حياة تمتزج فيها الثقافة اليهودية السورية بالواقع الأمريكي الحديث، والدين اليهودي باللغة العربية.

تجسد مغادرته لسوريا في سن الطفولة مرحلة حرجة في تكوين هويته، فقد كان يشعر بفقدان جزء منه في تلك الرحيلة. تجسد تعلمه وتفوقه في المدرسة اليهودية سورية الجهد الذي بذله للمحافظة على هويته وانتمائه رغم التحولات الكبيرة.

في إسرائيل، عاش الحاخام أريل فترة هامة من حياته، حيث استكمل دراسته واختار التخصص في العلوم الدينية واللغة العبرية. كانت تلك فترة حيوية لتوسيع آفاقه وتعميق فهمه لجذوره وديانته.

في النهاية، تظهر قصة الحاخام اوري لاطي كمثال على قدرة الإنسان على التأقلم والتحول، وكيف يمكن للهوية والانتماء أن تتغير وتتطور مع مرور الوقت والتجارب. إنها قصة تعلمنا أن الحوار والاحترام والتفاهم يمكنها أن تكون جسورا للتواصل بين مختلف الثقافات والأديان، وتسهم في بناء عالم أكثر انفتاحًا و

Discover more from Radio Jusoor

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading